اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

114

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

استيلائه على بغداد . وقد حالفه التوفيه في العام التالي لذلك ( 657 ه - 1259 ) فأقنعه ببناء مرصد كبير بمراغة بأذربيجان حيث كان يوجد بلاط المغول . وقد تم تزويد المرصد بأفضل أجهزة الرصد لذلك الحين حفظ لنا وصفها تلامذة الطوسي وزملاؤه فقدموا بذلك مادة لأبحاث قام بها بعض المتخصصين من الأوروبيين . واشترك نصير الدين أحيانا في حملات المغول العسكرية ليجمع المخطوطات لمكتبة المرصد التي ضمت أربعمائة ألف مجلد ؛ وهو رقم مبالغ فيه كما يحدث عادة في أمثال هذه الحالات . وكان من بين أمناء هذه المكتبة يوما ما المؤرخ المعروف ابن الفوطي الذي كان وقع أسيرا في يد المغول فأنقذه نصير الدين . وأعد المرصد خير إعداد ليس في الأجهزة والآلات والكتب فحسب بل وأيضا في العدد الضخم من العلماء حيث وجد إلى جانب تلامذة الطوسي أبناؤه أيضا ؛ وثمة روايات عن مشاركة علماء صينيين في أعمال الرصد بهذا المرصد وهو أمر ليس مستبعد بالنسبة لدولة المغول . بيد أن المرصد لم يدم أكثر من جيلين ولم يسمع عنه شئ بعد النصف الأول من القرن الرابع عشر 93 ؛ ولا تزال خرائبه ماثلة إلى أيامنا هذه بمراغة 94 . وكان نصير الدين الطوسي دائرة معارف بمعنى الكلمة ، فقد شمل نشاطه العلمي جميع العلوم سواء الإسلامية الصرفة أو العلوم الدقيقة . ويسترعى النظر ما قاله عنه في عام وفاته العالم السرياني المعروف ابن العبري ، وكان يعرفه معرفة جيدة ، بل واشتغل هو نفسه بالتدريس بعض الوقت بمراغة . قال : « وفي هذا التاريخ توفى خواجا نصير الدين الطوسي الفيلسوف صاحب الرصد بمدينة مراغة حكيم عظيم الشأن في جميع فنون الحكمة . واجتمع إليه في الرصد جماعة من الفضلاء المهندسين . وكان تحت حكمه جميع الأوقاف في جميع البلاد التي تحت حكم المغول . وله تصانيف كثيرة منطقيات وطبيعيات وإلاهيات وأوقليدس ومجسطى . وله كتاب أخلاق فارسي في غاية ما يكون من الحسن جمع فيه جميع نصوص أفلاطون وأرسطو في الحكمة العملية . وكان يقوّى آراء المتقدمين ويحلّ شكوك المتأخرين و - - المؤاخذات التي قد أوردوا في مصنفاتهم » 95 . أما في محيط العلوم الدقيقة فندين له بتصليحات عديدة لمؤلفات جميع علماء الأوائل تقريبا ممن عرفهم العرب ، وقد استمر الشرق الإسلامي يستخدم هذه الترجمات المصلحة لنصير الدين الطوسي إلى أيامنا هذه . من ذلك أنه أعد مسودة جديدة للمجسطى طغت على جميع الترجمات السابقة تقريبا . أما أرصاده لوضع جداول فلكية فقد بدأها في سن متقدم من عمره وهو سن الستين ؛ ومع ذلك فقد وفق في إتمامها خلال اثنى عشر عاما وذلك حوالي عام 670 ه - 1271 رغما من أنه يقرر في مقدمة الجداول أن دورة الأرصاد الفلكية لا تتم في أقل من ثلاثين سنة 96 . وقد شارك في وضع هذه الجداول فلكيون آخرون واستند حسابها على أساس خط منتصف النهار الذي يمر بمراغة ، وأطلق عليها اسم « الزيج الايلخانى » نسبة إلى اللقب الذي كان يحمله حكام إيران المغول . والكتاب مرتب على أربع مقالات الأولى في التقاويم المختلفة